الشيخ الطوسي
303
التبيان في تفسير القرآن
تعملوا فيها بالمعاصي " وتقطعوا أرحامكم " فلا تصلونها ، فان الله تعالى يعاقبكم عليه بعذاب الأبد ويلعنكم . ثم قال " أولئك الذين لعنهم الله " أي أبعدهم الله عن رحمته " فأصمهم وأعمى أبصارهم " أي سماهم عميا وصما ، وحكم عليهم بذلك ، لأنهم بمنزلة الصم والعمي من حيث لم يهتدوا إلى الحق ولا أبصروا الرشد ، ولم يرد الاصمام في الجارحة والاعماء في العين ، لأنهم كانوا بخلافه صحيحي العين صحيحي السمع . ثم قال موبخا لهم " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها " معناه أفلا يتدبرون القرآن بأن يتفكروا فيه ويعتبروا به أم على قلوبهم قفل يمنعهم من ذلك تنبيها لهم على أن الامر بخلافه . وليس عليها ما يمنع من التدبر والتفكر والتدبر في النظر في موجب الامر وعاقبته ، وعلى هذا دعاهم إلى تدبر القرآن . وفى ذلك حجة على بطلان قول من يقول لا يجوز تفسير شئ . من ظاهر القرآن إلا بخبر وسمع . وفيه تنبيه على بطلان قول الجهال من أصحاب الحديث انه ينبغي ان يروى الحديث على ما جاء وإن كل مختلا في المعنى ، لان الله تعالى دعا إلى التدبر والفقه وذلك مناف للتاجل والتعامي . ثم قال " إن الذين ارتدوا على ادبارهم " أي رجعوا عن الحق والايمان " من بعد ما تبين لهم الهدى " أي ظهر لهم الطريق الواضح المفضي إلى الجنة . وليس في ذلك ما يدل على أن المؤمن على الحقيقة يجوز ان يرتد ، لأنه لا يمتنع أن يكون المراد من رجع عن إظهار الايمان بعد وضوح الامر فيه وقيام الحجة بصحته . ثم قال " الشيطان سول لهم " أي زين لهم ذلك . وقيل : معناه أعطاهم سؤلهم من خطاياهم " وأملى لهم " أي أمهلهم الشيطان ، وأملى لهم بالأطماع والاغترار .